والدي الحاج “أحمد عبيد” في ذكرى الـ 40 وسقط “الجبل”

الرياض – فطين عبيد
تهربت لأول مرة من الكتابة عن والدي مع أنها عشقي ومصدر بقائي أتنفس، لتقصيري أمامه طوال نصف قرن من حياتي، واستجمعت قواي قبل أيام أن ألاقيه في رمضان المقبل بعد تجديد اقامتي والسفر لقريتنا الحبيبة “كفل حارس”، ويبدو أن الأمرين مستحيل، فالوالد رحل عند الله، وأنا بقيت بين يدي الله.
مهنة الوالد “مزارع” يحرث الأرض، ويبتسم مع أول زخات المطر ويستبشر بالخير ويعبر عن فرحه بفرك كلتا يديه، يأخذ “طورية” ويفتح القناة ليصل الماء الى البير، وحتى فوهة مزراب سطح بيتنا يجيرها لصالح “البير”، وكثيراً ما كان يتفاخر بشرية “ماء” مصقعة، لبئر حفره عتاولة حفار الآبار مطلع الستينيات.
كان أول ما نفعله في طفولتنا أن نتراكض فور سماع أقدام “الحصان”، لعلمنا أن الوالد وصل بعد يوم شاق، إما في حراثة أرضنا أو باليومية عند أهالي القرية، فكان يعرف حدود معظم أراضي القرية بالحجر و”السنسلسة” “والنتشة” و “الكنديلة”.
مفكرته التي كان يكتب فيها يومياته أيام كان مبصراً كانت خارطة طريق لاعالة أسرة مصروفهم وتدريسهم، اليوم حراث “الخلة الشامية” أو “خلة العفصة” أو تقنيب في “قطان الفرس” أو حصاد في “الحبيلة” أو تعشيب “باب الحريق” أو طلة على “الراس”، وهذا بالتحديد حين كنا نعطش نقرع احدى البيتين لشرب الماء باب أبو فتحي أو أبو عصام رحمهم الله قبل أن تخنق “أرائيل” كامل المنطقة، بل وتمحو ذكريات أجيال كان “مفرق سلفيت” بالنسبة لهم سنغافورة.
الحديث عن ساعات الفجر، مرتبط مع الكثير من الحراثين مع “الكابوسة” التي تكون بارد جداً، والمحظوظ منهم من يمتلك “مصبعانيات” أو حتى قطعة قماش تخفض برودتها، ومعظم هؤلاء الرجال الذي يشقون الارض صباحاً كانوا طاهرين، إذ يغادرون عتبة المسجد مباشرة إلى الأرض.
كانت سكة “الحراثة” وهي عود حديدي يربط بالحصان للحراثة ضمن سيمفونية “العدة” التي تشمل ميزان “العدل” وقلادة “الدابة”
أما المسافة التي يقضيها الحراث يومياً فهي على رأي الوالدة رحمها الله يصل بها عمان.
الفطور غالباً لهؤلاء كان رغيف طابون وزيت زيتون و”رصيع” وأحيانا حبة “بندورة” ورأس “بصل”، وفي أحسن الأحوال مرتبان “لبن” ساعات الظهيرة، وكان الوالد بعد الانتهاء منه يخضه بالماء ويشربه حفاظاً على نعمة رب العالمين.
وحتى مرتبان اللبن كان له قصة وحكاية، فقرع المنازل صباحاً لشراء اللبن كان له قصص وحكايات، استنى لسه ما حلبنا البقرة، ومن طرائفه أن أحدهم رحمه الله، قال لي انت ما رجعت المرتبان الفاضي، قلتله لأ رجعته أعطيته لبنتك.
نادى بنته قلي هذه قلتله لأ، نادي الثانية قلتله ما بعرف نادي الثالثة قلتله مش متذكر، كان طبيعة جيلنا خجول، لا يحدق في وجوه البنات، وبالكاد نلمح شكل الفتاة.
الضربة التي سلبت والدي بصره كانت مطلع الثمانينات، إذ ركله الحصان على جبهته، فأفقده بصره فوراً، لأن ضربة حذوة الحصان، دمرت شبكية العين، وبقي الـ 45 عاماً الأخيرة ضريراً، ومع ذلك لم يثنه فقد البصر عن زيارة أشجار الزيتون في “التعامير” وتقليمها.
السياسة وصوت “العاصفة” والتحلق حول الراديو وسماع الفدائيين يرسلون عبر الراديو رسائل مشفرة “حان قطاف العنب” ” نفذ العملية” وبدها أغنية ثوري يا جماهير الأرض المحتلة أو بين التلة والوادي تلقاني وتلقى ولادي.
جميع الختيارة كانوا يناقشون الواقع من الواقع وليس مثل جيل اليوم يسترقون الفضائيات وتويتر وقال عظمة جلالة فخامة “الرئيس”، بل حتى في “ولاد” صاروا يطلعوا على الفضائيات ويحللوا.
ساعات الليل بدون كهرباء في القرية ، كانت جميلة، لأنها توحد العائلات والناس، والمحظوظ يشبك كهرباء من ماتور فلان، أو يشتري “لكس أبو شنبر” أو “ضو” وطربوش وفتيلة.
كان الوالد أحيانا ينشغل بخلع “الشوك” من يديه للساعات، أو تجهيز “البذار” لليوم التالي أو “قرآة القرآن الكريم” طوال الليل وبصوت مرتفع، وساعات الترفيه ربما احتساء الشاي أو تناول صحن من التين أو القطين.
قصته مع المساجد أشبه بالخيال، فهو لم يغب عن صلاة الفجر يومياً بخاصة مسجد النور القريب من بيتنا، يتحسس الجدران حتى يصل، بل ويتحسس مكان المفتاح ويسبق الإمام، وكل أصدقائه ومعارفه إما عرفهم من المسجد أو عرفهم في شبابه أيام الحرس الوطني الأردني، والتحاقه بتدريب في “الفارعة” و “قفين” مطلع الخمسينات.
وقبل وفاته بيوم واحد، قالوا لديه ضيوف من المسجد، وبعد مغادرتهم وصل ضيوف آخرين من المسجد، وكأن القدر سمح له أن يودع الجميع، إلا أنا.
دوماً يقول مع كل هرولة للمسجد “الله معي” لم أكن أعرف وقع ومغزى عبارته للأسف إلا بعد رحيله، بحقنة القدر في مستشفى الشهيد ياسر عرفات بمدينة سلفيت على يد ممرض.




