المملكة ترسم ملامح اقتصاد المنطقة… وسوريا تفتح أبواب المستقبل

خالد قاسم أبوبكر
في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد النفوذ الحقيقي للدول يُقاس بما تمتلكه من موارد فحسب، بل بقدرتها على تحويل الرؤية إلى إنجاز، والطموح إلى واقع، والاقتصاد إلى قوة ناعمة تعيد تشكيل مستقبل المنطقة. ومن هذا المنطلق، تبدو المملكة العربية السعودية اليوم نموذجًا عربيًا فريدًا استطاع أن يثبت أن الاستثمار في الإنسان، والإصلاح الاقتصادي، وبناء المؤسسات، هي الركائز الحقيقية لصناعة المستقبل.
وبوصفي رجل أعمال سوريًا أقيم في المملكة منذ سنوات، لم أتابع هذه التحولات من بعيد، بل عشت تفاصيلها يومًا بعد يوم، وشاهدت كيف تحولت رؤية المملكة 2030 من وثيقة طموحة إلى مشروع وطني متكامل، انعكست آثاره على مختلف القطاعات، وأصبحت المملكة بفضله واحدة من أكثر الاقتصادات ديناميكية وجاذبية للاستثمار على مستوى العالم.
لقد استطاعت المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبدعم ومتابعة مباشرة من سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أن تؤسس لمرحلة جديدة من التنمية الشاملة، عنوانها الكفاءة، والشفافية، والانفتاح الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل، وتمكين القطاع الخاص. ولم يكن مستغربًا أن تتحول إلى مركز إقليمي وعالمي للأعمال والاستثمار، وأن تستقطب كبرى الشركات والصناديق الاستثمارية، في مشهد يعكس ثقة العالم بالاقتصاد السعودي ومستقبله.
ولعل ما يميز هذه التجربة أنها لم تُبنَ على الوفرة المالية وحدها، بل على إرادة سياسية امتلكت الشجاعة لاتخاذ القرار، والقدرة على تنفيذ الإصلاح، والرؤية التي تستشرف المستقبل بثقة. ولهذا أصبحت التجربة السعودية مصدر إلهام للدول التي تسعى إلى إعادة بناء اقتصاداتها على أسس حديثة ومستدامة.
واليوم، تقف سوريا أمام منعطف تاريخي لا يقل أهمية. فبعد سنوات قاسية أنهكت الدولة والمجتمع والاقتصاد، تبرز فرصة حقيقية لبدء مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، وهي مرحلة لا تحتاج إلى التمويل فقط، بل إلى شركاء يمتلكون الخبرة والرؤية والإرادة، وهو ما يجعل الدور السعودي محل اهتمام وتقدير واسع. لقد عكست المملكة خلال المرحلة الحالية موقفًا واضحًا في دعم عودة سوريا إلى محيطها العربي، وإسناد جهودها نحو الاستقرار والتعافي الاقتصادي. ومن وجهة نظري، فإن هذا الموقف لا يقتصر على بعده السياسي، بل يحمل رؤية استراتيجية تؤمن بأن ازدهار سوريا يمثل إضافة للأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة بأسرها. ومن هذا المنطلق، ينظر كثير من السوريين بعين التقدير إلى الجهود التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي نجح في قيادة واحدة من أكبر عمليات التحول الاقتصادي في تاريخ المملكة، ويأملون أن ينعكس هذا النهج الداعم للتنمية على آفاق التعاون مع سوريا، في إطار العلاقات التي تجمع المملكة بالرئيس أحمد الشرع، وبما يسهم في تهيئة الظروف الملائمة لإعادة البناء وتحريك عجلة الاقتصاد.
إن ما تحتاجه سوريا اليوم ليس مجرد إعادة إعمار للمباني، بل إعادة إعمار للاقتصاد، واستعادة ثقة المستثمر، وبناء بيئة أعمال حديثة تقوم على الشفافية وسيادة القانون وتحفيز القطاع الخاص. وهنا تبرز التجربة السعودية باعتبارها نموذجًا يمكن الاستفادة من دروسه، ليس من خلال نقل التجربة بحذافيرها، وإنما عبر استلهام مبادئها في الإدارة والإصلاح والتخطيط بعيد المدى. وأؤمن بأن المرحلة المقبلة ستشهد حضورًا أكبر لرجال الأعمال السعوديين والسوريين في مشاريع تنموية مشتركة، سواء في البنية التحتية، أو الصناعة، أو الطاقة، أو الخدمات اللوجستية، أو السياحة، وهي قطاعات تمتلك فرصًا واعدة إذا ما توافرت البيئة المناسبة والشراكات الفاعلة.
لقد علمتنا التجارب أن السياسة قد تفتح الأبواب، لكن الاقتصاد هو الذي يُبقيها مفتوحة. والاستثمار لا يصنع الأرباح وحدها، بل يصنع الاستقرار، ويمنح الشباب فرصًا للحياة، ويؤسس لعلاقات راسخة بين الدول والشعوب.
ولذلك، فإنني أنظر إلى المستقبل بتفاؤل كبير. فالمملكة العربية السعودية تواصل رسم ملامح اقتصاد المنطقة برؤية واثقة وطموحة، وسوريا تمتلك اليوم فرصة تاريخية لتفتح أبواب مستقبل جديد، مستفيدة من عمقها العربي، ومن شراكات تقوم على التنمية لا الشعارات، وعلى المصالح المشتركة لا الحسابات الضيقة.




