ليلة سقوط الأقنعة… رحلة في وعي أمة

• فارس آل سلمان
في حياة الأوطان، كما في حياة البشر، لحظات لا تعود فيها المرايا قادرة على المجاملة؛ تسقط فيها المسافة بين ما نقوله عن أنفسنا وما أصبحنا عليه فعلًا، وتنكشف الشعارات أمام حصيلة السنين، فلا يبقى من السياسة إلا أثرها في حياة الناس، ولا من السلطة إلا ما تركته من عدل أو ظلم، ولا من الرجال إلا ما بقي من أفعالهم بعد أن تخفت أصواتهم.
تلك هي لحظة سقوط الأقنعة.
وليست أخطر أزمات الأوطان تلك التي تستنزف خزائنها؛ فالمال قد يُستعاد، والاقتصاد قد ينهض، والمدن المهدمة يمكن أن تُبنى. الأخطر أن يُستنزف (الضمير الجماعي)، وأن تتصدع الثقة بين المواطن والسلطة.
فالدولة ليست مباني ووزارات وأعلامًا، بل فكرة أخلاقية قبل أن تكون جهازًا سياسيًا؛ ذلك اليقين الهادئ لدى المواطن بأن قانونًا سيحميه إذا ظُلم، وقاضيًا لن يسأل عن اسم خصمه قبل أن يسمع حجته، ومؤسسة سترى فيه مواطنًا كامل الحقوق. وحين يتصدع هذا اليقين، قد تبقى الدولة قائمة على الخرائط، لكنها تبدأ بالتراجع في النفوس.
دخل العراق بعد عام 2003 تجربة سياسية معقدة، اختلطت فيها المبادئ بالمصالح، والشعارات بالمغانم، والدين بالسلطة. وظهرت قوى احتمت بعباءة المقدس، لا لأن الدين كان دائمًا مشروعها الأخلاقي، بل لأن بعضها افتقر إلى مشروع حقيقي لبناء الدولة.
وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات التجربة العراقية إيلامًا؛ فالدين الذي يُفترض أن يكون رقيبًا أخلاقيًا على السلطة، تحول عند البعض إلى غطاء لها، والمذهب الذي يفترض أن يكون انتماءً روحيًا أصبح، في بعض الممارسات، أداةً للحشد وتقاسم النفوذ.
والخلل لم يكن في الإيمان، بل في استغلاله. فالدين لا يكتسب هيبته حين تستخدمه السلطة، بل حين يكون رقيبًا عليها.
ومع السنوات، تجاوزت المحاصصة كونها تسوية سياسية مؤقتة، وتحولت إلى ثقافة في إدارة الدولة؛ فتراجعت الكفاءة أمام الولاءات، وضاقت المسافة بين الدولة والغنيمة. وحين يصبح الوطن غنيمة، يصبح المواطن آخر من يحصل على نصيبه منه.
لكن العدالة في التشخيص تقتضي ألا نضع الجميع خلف قناع واحد؛ فمن الظلم اختزال الأحزاب كلها في قيادات فاسدة، كما أن من الخطأ تحميل الشعب وحده مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. فالأنظمة الانتخابية، وآليات الترشيح، وبنية الحياة الحزبية، وطريقة توزيع السلطة، أسهمت جميعًا في صناعة المشهد.
وجاء تشرين 2019 ليكشف عمق المسافة بين المواطن والسلطة. لم يخرج الشباب بحثًا عن المستحيل، بل عن بديهيات الدولة:
كرامة، وعدالة، وخدمات، وفرص متكافئة، ومستقبل لا تتحكم فيه شبكات النفوذ. ومهما اختلفت القراءات السياسية لما حدث، تبقى حقيقة ينبغي ألا تضيع بين الروايات المتصارعة:
((دم العراقي أغلى من أي صراع سياسي، وكرامته أعلى من أي مصلحة حزبية)).
فالأمم لا تتصالح مع تاريخها بأن تنساه، بل بأن تمتلك الشجاعة للنظر إليه واستخلاص ما يمنع تكراره. والدم الذي يسقط في الشوارع لا ينبغي أن يصبح رقمًا في أرشيف الدولة، بل سؤالًا في ضميرها.
واليوم تتغير المنطقة، وتتحول موازين القوى، ويعيد العالم رسم مصالحه وتحالفاته. والعراق، بموقعه وثرواته ووزنه الجيوسياسي، ليس دولة هامشية يمكن تجاوزها. لكن الموقع الاستراتيجي يمنح الدولة أهمية، ولا يمنحها بالضرورة احترامًا.
((فالاحترام تصنعه المؤسسات)).
قد تمتلك دولة ثروات هائلة وجيشًا كبيرًا وموقعًا تتقاطع عنده مصالح العالم، لكنها تبقى هشة إذا كان مواطنها لا يعرف إن كان القانون سيقف معه عندما يكون خصمه أكثر نفوذًا منه.
لهذا لا تستطيع التحولات الخارجية، مهما عظمت، أن تبني للعراق دولة قوية؛ فلا دولة تستورد العدالة، ولا تحالف دولي يمنح شعبًا كرامته، ولا قوة خارجية تبني مؤسسات محترمة إذا لم تبدأ إرادة الإصلاح من الداخل. ومن هنا تصبح استعادة ((هيبة القانون)) نقطة البداية.
وهيبة القانون لا تعني الخوف منه؛ فالخوف يصنع طاعة مؤقتة، أما العدالة فتصنع شرعية باقية. والدولة لا تُختبر بقوتها على الضعفاء، بل بقدرتها على تطبيق القانون على الأقوياء. وحين يستطيع أصغر مواطن أن يقف أمام أكبر مسؤول وهو يعلم أن بينهما قانونًا لا ينحني، تكون الدولة قد بدأت باستعادة معناها.
ولهذا فإن محاسبة من يثبت تجاوزه على المال العام، مهما كان موقعه أو انتماؤه، ينبغي ألا تكون تصفية سياسية ولا موسمًا عابرًا، بل قاعدة مستقرة؛ لأن القانون الذي يطبق على الخصوم ويستثني الحلفاء ليس قانونًا، والعدالة التي تختار المتهمين وفق انتماءاتهم تفقد معناها.
فالمعركة الحقيقية ليست مع شخص أو حزب، بل مع ثقافة رسخت الاعتقاد بأن النفوذ يستطيع الوقوف فوق الدولة. إنها معركة بين ((دولة الأشخاص ودولة المؤسسات)).
في الأولى يبحث المواطن عمّن يعرف. وفي الثانية يبحث عمّا ينص عليه القانون.
لكن الأقنعة لا تسكن السياسة وحدها؛ فللإعلام أقنعته أيضًا. فالإعلام الذي يفترض أن يكون عين المجتمع وذاكرته يفقد رسالته حين تصبح الكلمة سلعة، والموقف عقدًا، والحقيقة مادة قابلة للبيع والشراء. والصحفي لا يصبح قويًا بقربه من صاحب النفوذ، بل بقدرته على قول الحقيقة في حضوره وغيابه.
ولهذا لا تكتمل استعادة الدولة بإصلاح السياسة وحدها؛ بل بقضاء مستقل، وإعلام حر ومسؤول، وسلطة تشريعية ترى العراق قبل الأحزاب، وسلطة تنفيذية تدرك أن القانون ليس حملة موسمية، ومؤسسات لا تتبدل قواعدها بتبدل الحكومات.
وفي زمن الأقنعة، ليس سهلًا أن يكون الإنسان حقيقيًا. فالصدق لا يمنح صاحبه التصفيق دائمًا، أما المصلحة فتمنح صاحبها وجوهًا متعددة؛ وجهًا لكل مجلس، وموقفًا لكل ظرف. لكن للأقنعة مأزقًا لا تستطيع الهرب منه:
((إنها تحتاج دائمًا إلى ذاكرة تحفظ الكذبة السابقة؛ أما الحقيقة فلا تحتاج إلى أن تتذكر نفسها)).
ولهذا قد يربح القناع جولة، وربما يعيش سنوات، لكنه يحمل منذ اللحظة الأولى موعد سقوطه.
والدولة لا تبدأ بالسقوط يوم تنخفض مواردها، بل حين تتحول السياسة من خدمة الناس إلى حماية المصالح، وحين يصبح الولاء للأشخاص أعلى من الولاء للوطن. والأخطر من الفساد نفسه أن يقتنع الناس بأن الفساد قدر؛ فالفساد يستطيع العيش مع غضب المواطنين، لكنه يطمئن حين يصيبهم اليأس.
وحين يتوقف الإنسان عن انتظار العدالة، يكون الفاسد قد حقق انتصاره الأخطر؛ لأنه لم يسرق المال وحده، بل سرق إمكانية الإيمان بالتغيير. ولهذا فإن معركة العراق ليست ضد الفساد وحده، بل ضد ((اليأس من الدولة)).
ومع ذلك، لم يصل العراق إلى نهاية الطريق. فالأمم لا تنهض لأنها لم تخطئ، بل لأنها امتلكت في لحظة تاريخية شجاعة الاعتراف بأخطائها وإرادة تصحيحها. والعراق يحتاج إلى لحظة يصبح فيها القانون أعلى من المصالح، والوطن أكبر من الأحزاب، والإنسان أغلى من السلطة؛ يدرك فيها المسؤول أن المنصب أمانة، والمشرّع أنه يمثل وطنًا سيبقى بعد انتهاء دورته، والقاضي أن خلف كل حكم جزءًا من ثقة أمة بالعدالة، والإعلامي أن أثر الكلمة قد يبقى بعد أن تُطوى الصحيفة.
لقد دفع هذا الوطن من دم أبنائه ما يكفي، وحمل من الأحزان ما يكفي. ومع ذلك بقي. مرّت عليه إمبراطوريات وملوك ورؤساء وانقلابات وحروب وحصارات واحتلالات وأحزاب وشعارات.
وبقي العراق.
وسيأتي يوم نغادر فيه نحن أيضًا، ويبقى العراق…
فالمنصب عابر، والنفوذ عابر، والتصفيق عابر. والذين يملؤون المشهد اليوم سيصبحون ذات يوم أسماء في كتاب أو صورًا قديمة؛ أما الوطن فسيبقى ليتحمل نتائج ما فعلوه. ولهذا فالسؤال الذي ينبغي أن يواجه كل من يتولى مسؤولية ليس:
ماذا أخذت من العراق؟
بل: أي عراق ستترك لمن يأتي بعدك؟
هنا تتحول السياسة من صراع على الحاضر إلى أمانة تجاه المستقبل، ويصبح المال العام حقًا للأجيال التي لم تولد بعد. الأمم لا تموت لأن فيها فاسدين؛ لكنها تبدأ بالموت عندما يستسلم الشرفاء. والعراق لا يحتاج إلى معجزة، ولا إلى مزيد من الأقنعة. يحتاج إلى دولة يكون فيها:
((الوطن هو الحزب الأكبر، والقانون هو السلطة الأعلى، والعدالة هي المذهب الذي يجتمع عليه الجميع)).
وحين يأتي ذلك اليوم، لن نحتاج إلى من يعلن سقوط الأقنعة.
سيعرف المواطن الوجه الحقيقي للدولة حين يدخل مؤسسة فلا يُسأل: من تعرف؟ وحين يقف أمام القضاء فلا يُسأل: من خصمك؟ وحين يرى مسؤولًا يُحاسب فلا يبحث عن حزبه وطائفته ليعرف إن كان الحساب ممكنًا. عندها فقط تنتهي ليلة الأقنعة.
لا لأن الفساد اختفى من البشر، ولا لأن السياسة أصبحت عالمًا من الفضيلة؛ بل لأن الدولة أصبحت أقوى من فساد أفرادها، والقانون أقوى من نفوذ رجالها، والمؤسسات أبقى من حكامها.
وعندها لن يكون انتصار القانون انتصار فريق على آخر، ولا حزب على حزب. سيكون شيئًا أبسط وأعظم:
((أن ينتصر العراق على واحدة من أطول لياليه… ويستعيد وجهه)).
• رئيس الهيئة الادارية لمنتدى بغداد الاقتصادي



