تكنولوجيا وإتصالات

تعزيز العائد على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي: دليل استراتيجي للمؤسسات في السعودية

 

أويس محمد، المدير الإقليمي ومدير المبيعات لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وتركيا وشبه القارة الهندية في “ويسترن ديجيتال”

تستثمر المملكة العربية السعودية مليارات الدولارات في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال المبادرات المدعومة حكومياً، والاستثمارات في البنية التحتية، والشراكات العالمية، ما يعكس طموحاتها لأن تصبح دولة رائدة عالميا في مجال الذكاء الاصطناعي، وأن تحافظ على موقعها في طليعة هذا التوجه التقني الذي يتوقع أن يصل حجم الإنفاق العالمي عليه إلى 2.59 تريليون دولار في عام 2026.

وعلى الرغم من ضخامة الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي، فإن 28% فقط من مشاريع الذكاء الاصطناعي تحقق عائداً على الاستثمار، في حين لا تنجح غالبية المشاريع في تحقيق النتائج المرجوة. ويبرز ذلك ضرورة إيلاء المؤسسات اهتماماً أكبر لكيفية دمج الذكاء الاصطناعي ضمن بنيتها التقنية، ولا سيما البنية التحتية للتخزين. وقد يؤدي عدم إجراء التقييم اللازم لهذه الجوانب إلى زيادة احتمالات تضخم التكاليف، وتراكم الديون التقنية، وارتفاع مخاطر الامتثال، فضلا عن ضغوط أكبر على الميزانيات قد تفرض نقاشات صعبة مع مجالس الإدارة.

ومع انتقال المؤسسات في المملكة العربية السعودية من مرحلة تجربة تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى نشرها على نطاق تشغيلي واسع، سيكون للقرارات المتعلقة بالبنية التحتية التي يتم اتخاذها اليوم تأثير كبير في مدى قدرة هذه الاستثمارات على تحقيق العوائد المتوقعة.

لا ذكاء اصطناعي من دون بيانات
غالباً ما تركز النقاشات في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي على الأداء، وقدرات الحوسبة، وسرعة المعالجة، وهو ما جعل وحدات معالجة الرسومات (GPU) ووحدات المعالجة العصبية (NPU) عالية الأداء تستحوذ على جانب كبير من الاهتمام والاستثمارات. إلا أن قدرات الحوسبة ليست سوى جزءاً من المعادلة، فالبيانات التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي تتغير باستمرار، وتتزايد أحجامها، وتحتاج إلى إعادة تنظيم بمرور الوقت. ومن هنا تبرز حقيقة أساسية مفادها أن الذكاء الاصطناعي هو في جوهره منظومة قائمة على البيانات.

وفي ضوء ذلك، تتضح أهمية وجود بنية تحتية قوية للبيانات قادرة على التعامل معها بكفاءة طوال دورة حياة الذكاء الاصطناعي. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المملكة العربية السعودية، في ظل توجه الحكومة نحو تنويع الاقتصاد وتعزيز ريادة الدولة في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال رؤية المملكة 2030، ما يتوقع له أن يسهم في تسريع الطلب على حلول التخزين الذكية.

ولتعزيز العائد على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، يتعين على المؤسسات التعامل مع التخزين والبنية التحتية للبيانات باعتبارهما عنصرين استراتيجيين داعمين، وليس مجرد تقنيات مساندة يمكن تأجيل الاهتمام بها إلى المراحل الأخيرة. ويعتمد نجاح الذكاء الاصطناعي على مواءمة البنية التحتية للتخزين منذ البداية مع الأهداف التقنية والتجارية الأوسع للمؤسسة.

الذكاء الاصطناعي يتطلب نهجاً مختلفاً لتخزين البيانات
يفرض الذكاء الاصطناعي على المؤسسات التعامل مع أحجام من البيانات تفوق بكثير ما اعتادت التعامل معه في السابق. وتشير التوقعات إلى أن حجم البيانات التي يتم إنشاؤها عالمياً سيرتفع من 218.4 زيتابايت في عام 2025 إلى 718.5 زيتابايت بحلول عام 2030، أي أكثر من ثلاثة أضعاف خلال خمس سنوات فقط.

بطبيعته، يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى زيادة مستمرة في أحجام البيانات، مع توليد المزيد من سجلات الأنظمة والبيانات الوصفية والنتائج الاصطناعية وبيانات التدريب وغيرها. والأهم من ذلك أن أداء الذكاء الاصطناعي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجودة البنية التحتية للبيانات والتخزين، إذ تعتمد كفاءته على الوصول إلى كميات كبيرة من البيانات التي تتم إدارتها بصورة فعالة.

وبالنسبة للمؤسسات في المملكة العربية السعودية التي تضخ استثمارات كبيرة في الذكاء الاصطناعي، تصبح كفاءة التخزين مسألة مالية بقدر ما هي مسألة تقنية، حيث تمثل وحدات معالجة الرسومات عادة أحد أكبر بنود التكلفة في ميزانيات الذكاء الاصطناعي، وكل ساعة تبقى فيها هذه الوحدات دون تشغيل في انتظار عمليات إدخال البيانات وإخراجها من أنظمة التخزين تعني هدر في رأس المال المستثمر.

ومن هنا، فإن الاعتماد على بنية تخزين محدودة السعة أو غير مصممة بالشكل المناسب قد يؤدي إلى إبطاء عمليات الذكاء الاصطناعي وتقليص العائد على الاستثمارات الموجهة إلى قدرات الحوسبة.

بيانات الذكاء الاصطناعي والامتثال والمخاطر التنظيمية
يتعين أيضاً مراعاة الالتزامات القانونية والتنظيمية عند التخطيط للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ففي المملكة العربية السعودية، يجب على المؤسسات التي تتعامل مع البيانات الشخصية أخذ نظام حماية البيانات الشخصية (PDPL) في الاعتبار، بما في ذلك متطلباته المنظمة لنقل البيانات الشخصية إلى خارج المملكة. كما توفر مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الصادرة عن الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، إلى جانب الإرشادات ذات الصلة بحوكمة الذكاء الاصطناعي، إطاراً للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، يشمل خصوصية البيانات وأمنها والشفافية والمساءلة.

أهمية التخطيط الاستباقي لتحقيق العائد على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي
يؤدي النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي والكميات الهائلة من البيانات التي يولدها إلى زيادة سريعة في الطلب على سعات التخزين، ما يفرض ضغوطا على سلاسل التوريد ويزيد من تحديات عمليات الشراء.

وتشهد سلاسل توريد محركات الأقراص الصلبة (HDD) بالفعل طلباً يغطي كامل الإمدادات المتاحة لهذا العام. وفي ظل هذه القيود، لم يعد بإمكان المؤسسات افتراض أن سعات التخزين المطلوبة ستكون متاحة متى احتاجت إليها، ولا سيما عند تأجيل قرارات الشراء حتى اللحظات الأخيرة.

وعمليا، يتطلب ذلك من المؤسسات تقدير احتياجاتها المستقبلية من سعات التخزين بالتوازي مع التخطيط لشراء وحدات معالجة الرسومات (GPU)، وإدراج متطلبات التخزين ضمن دراسات الجدوى الخاصة بمشاريع الذكاء الاصطناعي منذ البداية.

ومن المتوقع أن تشهد الاستثمارات في البنية التحتية للتخزين نمواً كبيراً خلال السنوات المقبلة، حيث تتوقع مؤسسة “آي دي سي” أن تتضاعف السعة الإجمالية لأنظمة التخزين المثبتة حول العالم بأكثر من مرتين لتصل إلى 26 زيتابايت بحلول عام 2030. ويأتي هذا النمو مدفوعا بشكل رئيسي بتوسع المؤسسات في تبني الذكاء الاصطناعي، ونمو البنية التحتية السحابية، وتزايد القيمة الاستراتيجية للاحتفاظ بالبيانات على المدى الطويل. وفي ظل الطلب غير المسبوق المتوقع على سعات التخزين خلال السنوات المقبلة، يصبح من الضروري أن تخطط المؤسسات لاستثماراتها في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للتخزين بشكل متوازي ومتزامن.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة للمؤسسات في المملكة العربية السعودية، لا سيما مع حجم الميزانيات الموجهة للاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي. فالمؤسسات التي تبادر إلى دمج التخطيط لسعات التخزين ضمن استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي، وتتعامل مع البنية التحتية للبيانات باعتبارها أصلا استراتيجيا، وتستعد بشكل كامل لتلبية احتياجاتها المستقبلية من السعة، ستكون في موقع أفضل لتعظيم القيمة التي تحققها من استثماراتها الكبيرة في الذكاء الاصطناعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى