أخبار عامة

هرمية الأثر الاجتماعي

هرمية الأثر الاجتماعي

نحو فهمٍ أكثر اتزانًا لمفهوم الأثر
بقلم: د. سلمان بن عبدالله المطيري

أصبح قياس الأثر خلال السنوات الأخيرة أحد أهم التحولات التي شهدها القطاع غير الربحي. ولم يعد نجاح المبادرات يُقاس بحجم الإنفاق، أو بعدد الأنشطة، أو بكثرة المستفيدين، بل بالتغير الحقيقي الذي أحدثته تلك المبادرات في حياة الإنسان.
ولا شك أن هذا التحول يمثل نقلة نوعية في الفكر المؤسسي؛ لأنه نقل الاهتمام من سؤال: ماذا قدمنا؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا تغيّر؟
غير أن كل مفهوم يترسخ في الممارسة قد يتعرض مع مرور الوقت إلى شيء من الاختزال، وهذا ما بدأ يطال مفهوم الأثر. فقد أصبح يُنظر إليه – في بعض الممارسات – من زاوية واحدة، هي قدرة البرنامج على نقل المستفيد من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج والمشاركة الاقتصادية، حتى كأن هذه الصورة أصبحت المعيار الرئيس للحكم على نجاح البرامج، مهما اختلفت طبيعتها ورسالتها.
ولا خلاف في أن هذا المستوى يمثل صورة رفيعة من صور الأثر، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل هذه هي الصورة الوحيدة للأثر؟
إن التمييز بين المخرجات والأثر أمر محسوم في أدبيات التقييم؛ فالعملية الجراحية، أو البرنامج العلاجي، أو جلسات التأهيل، تمثل مخرجات للتدخل، أما الأثر فهو التغير الذي أحدثته تلك المخرجات في حياة الإنسان. لكن القضية التي يناقشها هذا المقال ليست هذا التمييز، وإنما اتساع مفهوم الأثر نفسه؛ فالتغير الذي يحدثه التدخل لا يقف عند مستوى واحد، بل يتدرج عبر مستويات متعددة، يكمل بعضها بعضًا، ويمهد بعضها لبعض.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الأثر الاجتماعي بوصفه هرمًا متدرجًا، لا نتيجة واحدة.
ففي قاعدة هذا الهرم يأتي الأثر الإنقاذي، ويتمثل في الحفاظ على الحياة، أو خفض احتمالات الوفاة، أو إنقاذ عضو من التلف، أو المحافظة على وظيفة حيوية في جسم الإنسان.
ثم يأتي الأثر التخفيفي، ويتمثل في تخفيف الألم، والحد من المضاعفات، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز الاستقرار الصحي والنفسي والاجتماعي للمريض وأسرته.
ويليه الأثر الوقائي، الذي يحول دون وقوع المرض، أو يمنع تفاقمه، أو يحد من الإعاقة، ويجنب الفرد والمجتمع أعباءً صحية واجتماعية واقتصادية مستقبلية.

ثم يأتي الأثر التمكيني، عندما يزيل التدخل العوائق الصحية أو النفسية التي تحول بين الإنسان وبين ممارسة حياته الطبيعية، أو تعليمه، أو عمله، أو مشاركته في مجتمعه.
أما الأثر التحويلي، فيمثل قمة هذا الهرم، ويتحقق عندما يحدث تغير جوهري ومستدام في حياة المستفيد، فينتقل إلى مرحلة الاعتماد على ذاته، والإسهام في التنمية، من خلال العمل، أو التجارة، أو أي صورة أخرى من صور الإنتاج والعطاء.
وهذه المستويات لا تتنافس، ولا يُلغي بعضها بعضًا، بل تمثل سلسلة مترابطة من التغيرات، يهيئ كل مستوى منها لما بعده، فلا يمكن النظر إلى قمة الهرم بمعزل عن القاعدة التي تحملها.
ومن هنا يبرز سؤال مهم:
هل تُعد البرامج الصحية، ولا سيما العلاجية والتأهيلية، برامج تنموية؟
في الحقيقة، إن الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على فهمنا لمعنى التنمية نفسها.
فإذا كانت التنمية تعني بناء الإنسان، والمحافظة على قدراته، وتوسيع فرصه، فإن البرامج الصحية لا تقع خارج العملية التنموية، بل تمثل أحد أهم روافدها.
فالتنمية لا تعني دائمًا إضافة قدرات جديدة إلى الإنسان، بل تعني كذلك المحافظة على قدراته القائمة، واستعادتها عند فقدها، وإزالة العوائق التي تمنعه من توظيفها.
ولنتأمل مريضًا فقد بصره بسبب المياه البيضاء (الساد)، ثم أجريت له عملية جراحية استعاد بعدها بصره خلال أيام.
إن نجاح العملية يمثل مخرجًا للبرنامج، أما أثرها الحقيقي فيتمثل في أن ذلك الإنسان عاد قادرًا على القراءة، والحركة، والاعتماد على نفسه، وممارسة عمله، والقيام بشؤون أسرته، والمشاركة الطبيعية في مجتمعه بعد أن كان مهددًا بفقدان كل ذلك.
فهل يمكن بعد ذلك أن يقال إن هذا البرنامج ليس برنامجًا تنمويًا، لمجرد أنه لم ينشئ مشروعًا تجاريًا أو يوفر وظيفة جديدة؟
إن الذي حدث في الحقيقة هو أن البرنامج أزال عائقًا كان يعطل قدرات الإنسان، وأعاد إليه إمكانية التعلم، والعمل، والإنتاج، والعطاء، وهذه في جوهرها عملية تنموية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 

 

ولنتأمل مثالًا آخر.
طفل أُجريت له عملية قلب أنقذت حياته، فعاد إلى مدرسته، وأكمل تعليمه، ثم أصبح بعد سنوات طبيبًا، أو مهندسًا، أو معلمًا.

فمتى بدأت رحلته التنموية؟
هل بدأت يوم حصل على وظيفة؟
أم بدأت يوم أُنقذت حياته؟
الإجابة تبدو واضحة؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يتعلم، أو يعمل، أو ينتج، أو يشارك في بناء مجتمعه، إذا فقد الحياة أو فقد القدرة التي تؤهله لذلك.
ولهذا فإن التنمية لا تبدأ عند لحظة الإنتاج، وإنما تبدأ عندما نحافظ على الإنسان القادر على أن ينتج، ونزيل العوائق التي تحول بينه وبين استثمار إمكاناته.
فالوقاية تحافظ على القدرة، والعلاج يستعيدها، والتأهيل يعززها، والتمكين يفتح لها الطريق، ثم يأتي الأثر التحويلي بوصفه ثمرة لهذا المسار، لا نقطة بدايته.
غير أن الأثر التحويلي بطبيعته لا تصنعه جهة واحدة، ولا يمكن منطقيًا أن يُنسب إلى برنامج واحد بمعزل عن بقية العوامل؛ فهو في الغالب ثمرة تكامل بين منظومة واسعة من القطاعات والأدوار. فالصحة تحافظ على الإنسان وتستعيد قدراته، والتعليم ينمي معارفه ومهاراته، والتأهيل يعزز جاهزيته، وسوق العمل يتيح له الفرص، والسياسات العامة تهيئ البيئة المناسبة، ويبقى بعد ذلك عامل لا يقل أهمية، وهو إرادة المستفيد نفسه، واستعداده، واجتهاده في استثمار ما أُتيحت له من فرص.
ولهذا فإن جعل التحول إلى الإنتاج المعيار الوحيد للحكم على البرامج الصحية يغفل طبيعة هذا المستوى من الأثر؛ لأنه يمثل نتيجة نهائية تشترك في صناعتها عوامل متعددة، بينما يتمثل الدور الأصيل للبرامج الصحية في بناء الإنسان، والمحافظة على قدراته، وإزالة العوائق التي تحول دون مشاركته في التنمية.
وهذا لا ينتقص من قيمة الأثر التحويلي، بل يضعه في موضعه الصحيح؛ فهو قمة هرم الأثر، وليس تعريف الأثر كله.
وعلى هذا الأساس، فإن الجمعيات الصحية الأهلية ليست قطاعًا خدميًا فحسب، بل هي قطاع تنموي محوري، لأنها تستثمر في رأس المال البشري، وهو الثروة الحقيقية لأي مجتمع. فهي تحافظ على حياة الإنسان، وتقيه من المرض، وتستعيد قدراته، وتمنع تدهورها، وتزيل العوائق التي تحول بينه وبين التعلم والعمل والإنتاج والمشاركة المجتمعية.

ومن الخطأ النظر إلى الخدمات الصحية بوصفها مرحلة تسبق التنمية، لأن المحافظة على الإنسان القادر على التعلم والعمل والإنتاج هي في ذاتها عمل تنموي، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه بقية مسارات التنمية. فالتنمية لا تبدأ عندما يصبح الإنسان منتجًا، وإنما تبدأ عندما يصبح قادرًا على أن يكون منتجًا.
ولذلك فإن البرامج الصحية ليست مجرد استجابة لاحتياج آني، بل هي استثمار طويل الأمد في الإنسان. فالوقاية تحمي قدراته قبل أن تُستنزف، والعلاج يعيدها إذا فُقدت، والتأهيل يعززها إذا ضعفت، وكل ذلك يوسع من فرص الإنسان في أن يعيش حياة أكثر استقلالًا وإنتاجًا وعطاءً.
ومن هنا، فإن عدالة قياس الأثر لا تعني أن تُقاس جميع البرامج بالمؤشر نفسه، وإنما أن يُقاس كل برنامج في ضوء رسالته، وطبيعة تدخله، والمستوى الذي يستهدفه من هرم الأثر. فالبرامج الصحية لا ينبغي أن تُحاكم وكأنها برامج توظيف، كما أن برامج التوظيف لا تُحاكم وكأنها برامج علاج أو وقاية. فلكل قطاع رسالته، ولكل رسالة أثرها، وجميعها تتكامل في بناء التنمية.
إن هرمية الأثر الاجتماعي لا تنتقص من قيمة الأثر التحويلي، بل تؤكد مكانته بوصفه أرقى مستويات الأثر، لكنها في الوقت نفسه تذكرنا بأن هذه القمة لا تقوم إلا على قاعدة واسعة من الآثار التي تحفظ الحياة، وتخفف المعاناة، وتقي من التدهور، وتستعيد القدرات، وتمكن الإنسان من استثمارها.
ولعل الخطأ لا يكمن في السعي إلى قياس الأثر، وإنما في اختزال الأثر في مستواه الأخير، بينما التنمية في حقيقتها عملية تراكمية، يشترك في صناعتها أكثر من قطاع، ويؤدي كل منها دورًا لا يقل أهمية عن الآخر.
فالصحة لا تصنع التنمية وحدها، لكنها تصنع الإنسان الذي تقوم عليه التنمية. والتعليم لا يصنعها وحده، لكنه يبني المعرفة التي توجهها. وسوق العمل لا يصنعها وحده، لكنه يحول القدرات إلى إنتاج. أما التنمية الحقيقية، فلا تولد من قطاع منفرد، وإنما من تكامل هذه الأدوار جميعًا.
ولهذا فإن إعادة النظر في مفهوم الأثر لا تعني التقليل من قيمة الأثر التحويلي، بل تعني الاعتراف بأن التنمية تبدأ قبل ذلك بكثير، وأن الإنسان ليس وسيلة لتحقيق التنمية، بل هو غايتها الأولى.
فكل برنامج يحفظ حياة إنسان، أو يصون صحته، أو يخفف معاناته، أو يقيه من الإعاقة، أو يستعيد قدراته، أو يزيل عائقًا يحول بينه وبين التعلم والعمل والإنتاج، قد أسهم في التنمية، وإن اختلف موقعه في هرم الأثر الاجتماعي.
ولهذا فإن قياس الأثر الأكثر عدالة هو الذي ينظر إلى كل برنامج من خلال رسالته، ويضعه في موقعه الصحيح داخل هرم الأثر، دون تضخيم، ودون اختزال، وبفهم متوازن لطبيعة التدخل وحدوده، وللدور الذي يؤديه في بناء الإنسان الذي تقوم عليه التنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى