أخبار عامة

سعر الصرف بين أيدينا لكنه ليس مفتاح الحل

 

د. نبيل رحيم العبادي

لا أعتقد أن هناك عراقياً يجهل حجم الأزمة المالية التي تعيشها البلاد. الأرقام ليست مجرد أصفار في دفاتر وزارة المالية، بل هي قوة شرائية تتبخر، ورواتب تترقب، ومستقبل يتشكل في غرف صنع القرار. في هذا المشهد المتأزم، جاء تقرير (مرصد إيكو عراق) ليذكرنا بأن الخيارات موجودة، والطرق أمام الحكومة الجديدة ليست مغلقة تماماً، وهذا وحده يستحق التفاؤل.
لطالما اعتدنا أن نسمع عن الاقتراض الداخلي والخارجي، ونحن نعرف تكلفتهما جيداً، الأول يستنزف احتياطي البنك المركزي ويرفع الدين الداخلي إلى عنان السماء، والثاني يأتي بشروط صارمة تمس سيادة القرار الاقتصادي وتلزمنا بإصلاحات قد تكون مؤلمة، لكن التقرير عاد بذكاء إلى خيار ثالث، سريع ومباشر، سبق أن لجأنا إليه في محنة سابقة ونجح في إعادة التوازن (تعديل سعر الصرف)..
هذا الخيار ليس انفلاتاً نقدياً أو مغامرة غير محسوبة، هو إعادة ضبط لعلاقة الدينار بالدولار، زيادته إلى 150 ألف دينار لكل مئة دولار بدلاً من 132 ألفاً. هذه العملية، التي نفذتها حكومة الكاظمي في خضم أزمة مالية سابقة بعد انهيار أسعار النفط، أثبتت أنها قادرة على زيادة الإيرادات الحكومية بالدينار وتقليص العجز الفوري. المدهش أنها تحمل في طياتها بذرة العودة إلى ما كانت عليه حين تتحسن الظروف، وهذه مرونة نادراً ما نجدها في أدوات السياسة النقدية.
أجمل ما في هذا الخيار أنه يضع الحل في أيدينا، ليس بمعنى التحكم بسعر العملة فقط، بل لأن تجربتنا السابقة أثبتت أن البنك المركزي العراقي يمتلك القدرة الفنية والتقنية على تطبيقه وإعادة الأمور إلى نصابها عند الحاجة. إنها أداة يمكن رفعها وخفضها كالجسر المتحرك، تفتح أمام الحكومة مساحة للتنفس دون أن ترتهن لشروط صندوق النقد أو تستنزف جيوب المواطنين عبر تضخم جامح.
ما يبعث على التفاؤل حقاً ليس مجرد وجود هذا الخيار، بل أن نقاشاً اقتصادياً جاداً يدور الآن في أروقة القرار. الحكومة الجديدة لم تغلق الأبواب، والمراصد الاقتصادية المحلية لم تتوقف عن طرح البدائل. هناك وعي بأن الأزمة المالية القادمة من أزمة مضيق هرمز والعجز المسبق والدين الداخلي المتراكم، تحتاج إلى جرأة في القرار وسرعة في التنفيذ، وتعديل سعر الصرف يجمع بين الاثنين.
لن نكون ساذجين فنظن أن خفض قيمة العملة لا يخلو من تبعات، فهو قد يضغط على القدرة الشرائية مؤقتاً ويحتاج إلى حزمة حماية اجتماعية ذكية ترافقه. لكن المهم أن العراق يمتلك اليوم أداة مجربة وفورية لمواجهة العجز، دون أن يرهن مستقبله لقروض جديدة أو يكرر خطأ الاقتراض الداخلي الذي أنهك الاحتياطي. هذا الخيار ليس حلاً سحرياً، لكنه على الأقل خيار وطني بامتياز، سريع، قابل للعكس، والأهم أنه في متناول اليد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى