خمسةُ محاور اقتصادية بارزة في دول مجلس التعاون الخليجي خلال عام 2026

تنويع التجارة، وتعزيز أمن سلاسل التوريد، وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإدارة تحوّلات القوى العاملة، وتشديد الانضباط المالي ستشكل المسار الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي في عام 2026
حكومات دول الخليج تواصل تحولها من التركيز على جذب رؤوس الأموال على نطاق واسع إلى تقديم الخدمات وتبني التقنيات والخروج بنتائج اقتصادية ملموسة
تحولت المرونة إلى أولوية محورية، تشكل سياسات التجارة والاستراتيجيات الصناعية وتكيف القوى العاملة وإدارة المالية العامة، في ظل التجزؤ العالمي وتراجع إيرادات النفط والغاز.
6 يناير 2026؛ الرياض، المملكة العربية السعودية: مع دخول دول مجلس التعاون الخليجي عام 2026، تتشكل السياسات الاقتصادية في ظل تشديد الأوضاع الخارجية، وتسارع وتيرة التغير التكنولوجي، وتزايد تجزؤ النظام التجاري العالمي. وتكثف دول المجلس تركيزها على توسيع العلاقات التجارية وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتسريع تبني الذكاء الاصطناعي، وتكيف القوى العاملة، وتعزيز إدارة المالية العامة، بما يدعم نمو الإنتاجية والقدرة التنافسية على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، صرح جينج تيو، شريك في قسم السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية لدى بي دبليو سي الشرق الأوسط، قائلاً: “بعد أن نجحت في توظيف رؤوس الأموال والسياسات على نطاق واسع، تركز حكومات دول مجلس التعاون الخليجي اليوم على التنفيذ. وفي عام 2026، تتمثل الأولوية في تعزيز المرونة الاقتصادية من خلال علاقات تجارة واستثمار أكثر أماناً، وتبني فعّال للذكاء الاصطناعي، وإدارة تحولات القوى العاملة، وانضباط مالي في ظل بيئة ظل عالمية تتزايد فيها التحديات والانقسامات”.
توسيع وتنويع الشراكات التجارية
تتجه دول مجلس التعاون الخليجي حالياً إلى تسريع تنويع التجارة لتأمين الوصول إلى الأسواق المتنامية والمواد الخام في ظل تزايد الانقسام والتشتت في منظومة التجارة العالمية.
وقد شهدت المفاوضات التجارية مع الصين والاتحاد الأوروبي واليابان ونيوزيلندا والسوق المشتركة لبلدان المخروط الجنوبي (“ميركوسور”) تقدماً ملحوظاً، بينما انتقلت المحادثات مع المملكة المتحدة إلى مراحلها النهائية،مع إمكانية اختتامها في عام 2026. وساهم تعزيز الشراكات مع ماليزيا وفيتنام ورابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان)، بالإضافة إلى التقدم المحرز في تنفيذ الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، في تعزيز دور دول مجلس التعاون الخليجي في التجارة بين الشرق والغرب وبين دول الجنوب وبعضها. وبالتوازي مع ذلك، شهدت المنطقة عملية توسع ملحوظ في إبرام الاتفاقيات الثنائية، والتي جاء على رأسها توسع دولة الإمارات في برنامج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة ليشمل أكثر من عشرين شريكاً، وتضاعف أرقام نمو التجارة مع أسواق من بينها الهند وتركيا وإندونيسيا. وتخضع السياسة التجارية للتنسيق بشكل متزايد من خلال الجهود الدبلوماسية التي تركز على الاستثمار، ما يدعم تعميق العلاقات التجارية وزيادة مرونتها وتعزيز مكانة منطقة الخليج كمحور رئيسي في مسارات التجارة الناشئة.
تأمين سلاسل الإمداد الحيوية
تكثف اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي جهودها لضمان الوصول إلى المعادن الحيوية، في ظل ارتفاع الطلب العالمي واستمرار تركّز سلاسل الإمداد بشكل كبير، لا سيما في مجالات معالجة وتكرير العناصر الأرضية النادرة. وتعمل المملكة العربية السعودية على ترسيخ قطاع التعدين كركيزة اقتصادية رئيسية بحلول عام 2035 وذلك من خلال توسيع شركة التعدين العربية السعودية (معادن) محفظتها لتشمل الفوسفات والألومنيوم والنحاس والمعادن الحيوية الناشئة. وبالإضافة إلى شراكات المراحل الأولى من سلسلة التوريد في أفريقيا وآسيا، تتخذ اقتصادات دول المجلس خطوات مبكرة نحو تطوير قدرات محلية في المعالجة والخدمات اللوجستية. وتساهم هذه التحركات مجتمعة في تحويل دول مجلس التعاون إلى محور استراتيجي يربط بين إمدادات المعادن من أفريقيا والطلب الصناعي العالمي وكذلك دعم التنمية الصناعية والتمكن بمرور الزمن من خفض مخاطر تركز قدرات تكرير المعادن في دول محدودة.
تحويل طموحات الذكاء الاصطناعي إلى واقع عملي
في عام 2026، تنتقل اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بوتيرة متسارعة من طموحات الذكاء الاصطناعي إلى واقع يتسم باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاقمع تخفيف الاستثمارات في البنية التحتية الحاسوبية للقيود السابقة على الوصول إلى القدرات الحاسوبية المتقدمة، ووحدات معالجة الرسومات (GPU)، وقدرات الحوسبة السحابية السيادية. وتشهد دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية حالياً انتشاراً كبيراً لمجموعة من قدرات الحوسبة الجديدة، ما يضع الدولتين ضمن الدول الرائدة عالمياً في تطوير خطط ومشاريع إنشاء مجموعات وحدات معالجة الرسوميات ويساهم في تخفيف القيود السابقة على الوصول إلى قدرات الحوسبة وقدرات الحوسبة السحابية السيادية.
ومع تحسن الوصول إلى خدمات الحوسبة السحابية المتقدمة وزيادة وضوح التوقعات التنظيمية، من المرجح أن يشهد عام 2026 تحولاً من المشاريع التجريبية إلى التوسع في تشغيل الذكاء الاصطناعي بمختلف القطاعات مثل القطاع المالي وقطاع الطاقة وقطاع الخدمات اللوجستية وقطاع النقل، مع زيادة التركيز على تحقيق زيادات في الإنتاجية لا أن يقتصر استخدامه على مجرد التجريب فقط.
إدارة تحوّلات القوى العاملة في اقتصاد مدعوم بالذكاء الاصطناعي
على الرغم من استمرار معدلات التوظيف في النمو، شهد نمو الإنتاجية في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي تراجعاً خلال العقد الماضي، ما يعكس بطء انتشار التكنولوجيا وجمود الإجراءات وعدم تطابق المهارات مع الاحتياجات في القطاعات سريعة النمو.
ومع تسارع انتشار تبني الذكاء الاصطناعي، باتت سياسات سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي تركز بشكل متزايد على إدارة تحوّلات القوى العاملة، وليس فقط على توفير فرص العمل. وتواصل الحكومات وأصحاب العمل حالياً العمل على توسيع نطاق برامج التدريب المبنية على المسارات وشهادات التخصصات الدقيقة في مجالات مثل البيانات، والأمن السيبراني، وعمليات التشغيل المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتدعم ذلك بإبرام مجموعة من الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى إفساح المجال لدور أكبر لمسارات التعلم القائم على بيئة العمل، والمسارات الأشبه بالتدريب المهني، ومنح الحوافز للأفراد في سبيل دعم التحوّلات الوظيفية في منتصف المسار المهني، إلى جانب زيادة التطور الذي تشهده منصات سوق العمل التي تستخدم البيانات الآنية لمواءمة معروض التدريب مع الطلب الصادر من أصحاب العمل. ويهدف ذلك إلى تمكين العاملين من الانتقال إلى وظائف ذات قيمة أعلى تجمع بين الخبرة المتخصصة والأدوات الرقمية، ما يدعم تحقيق مكاسب إنتاجية أكثر استدامة على المدى الطويل.
تعزيز المرونة المالية في بيئة تتسم بانخفاض أسعار النفط
يعزز تراجع إيرادات النفط والغاز الحاجة إلى ضبط الإنفاق وتحقيق العوائد من الأصول وجذب رؤوس الأموال الخاصة.
ومن المتوقع مستقبلاً أن يكون للخصخصة والشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجالات النقل والمرافق وأصول الطاقة غير الاستراتيجية، وكذلك الاقتراض الانتقائي، دور أكبر في الإدارة المالية. وفي ظل ترجيح عدم فرض ضرائب جديدة، فمن المتوقع أن تساهم زيادة الامتثال لضرائب الشركات والقيمة المضافة والإصلاحات الموجهة في نظام الدعم المالي وإعطاء الأولوية للإنفاق الرأسمالي في دعم تنويع الاقتصاد على المدى الطويل مع الحفاظ على الاستدامة المالية.
نظرة مستقبلية
تعكس هذه المحاور الخمسة مجتمعة اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي الذي يركز على تعزيز المرونة في ظل سياق عالمي مليء بالتحديات. وفي عام 2026، ستركز الجهود السياسية على تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية وتعزيز أمن سلاسل التوريد للمعادن الحيوية وإدارة تحولات القوى العاملة المرتبطة بالتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والحفاظ على الاستقرار المالي في ظل تراجع الإيرادات النفطية. وسيحدد مدى فعّالية تطبيق هذه الإجراءات قدرة المنطقة على الحفاظ على نمو الإنتاجية ودعم تنويع الموارد الاقتصادية وامتصاص الصدمات الخارجية على المدى المتوسط.
وللاطلاع على المزيد من التفاصيل، يرجى تنزيل التقرير الكامل الموجود على موقعنا الإلكتروني تحت عنوان “خمسةُ محاور اقتصادية بارزة في دول مجلس التعاون الخليجي خلال عام 2026”.




